أبي هلال العسكري

175

الصناعتين ، الكتابة والشعر

الاستثقال ، وصار سببا للملال ؛ فذلك هو الهذر والإسهاب والخطل ، وهو معيب عند كل لبيب . وقال بعضهم : البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب . وقال : المكثار كحاطب الليل . وقيل لبعضهم : من أبلغ الناس ؟ قال : من حلى المعنى المزير باللفظ الوجيز ، وطبّق المفصل قبل التحزيز . المزيز : الفاضل ، والمزّ : الفضل . وقوله : « وطبّق المفصل قبل التّحزيز » : مأخوذ من كلام معاوية رضى اللّه عنه وهو قوله لعمرو بن العاص لما أقبل أبو موسى : يا عمرو ؛ إنه قد ضمّ إليك رجل طويل اللسان ، قصير الرأي والعرفان ؛ فأقلل الحزّ ، وطبّق المفصل ، ولا تلقه بكلّ رأيك . فقال عمرو : أكثر من الطعام ، وما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم . والإيجاز : القصر والحذف . نوعا الإيجاز فالقصر تقليل الألفاظ ، وتكثير المعاني ؛ وهو قول اللّه عزّ وجل : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . ويتبيّن فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه ، وهو قولهم : « القتل أنفى للقتل » . فصار لفظ القرآن فوق هذا القول لزيادته عليه في الفائدة ، وهو إبانة العدل لذكر القصاص وإظهار الغرض المرغوب عنه فيه لذكر الحياة ، واستدعاء الرّغبة والرّهبة لحكم اللّه به ولإيجازه في العبارة . فإنّ الذي هو نظير قولهم : « القتل أنفى للقتل » إنما هو : « القصاص حياة » وهذا أقلّ حروفا من ذاك ، ولبعده من الكلفة بالتكرير ، وهو قولهم : « القتل أنفى للقتل » . ولفظ القرآن بريء من ذلك ، وبحسن التأليف وشدة التلاؤم المدرك بالحسّ ؛ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة . ومن القصر أيضا قوله تعالى : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ